ابن حزم
213
رسائل ابن حزم الأندلسي
- 23 - باب الغدر وكما أن الوفاء من سري النعوت ونبيل الصفات ، فكذلك الغدر من ذميمها ومكروهها ، وإنما يسمى غدراً من البادئ به ، وأما المقارض بالغدر على مثله - وإن استوى معه في حقيقة الفعل - فلييس بغدر ولا هو معيباً بذلك ، والله عز وجل يقول : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقد علمنا أن الثانية ليست بسيئة ، ولكن لما جانست الأولى في الشبه أوقع عليها مثل اسمها ، وسيأتي هذا مفسراً في باب السلو إن شاء الله . ولكثرة وجود الغدر في المحبوب استغرب الوفاء منه ، فصار قليله الواقع منهم يقاوم الكثير الموجود في سواهم . وفي ذلك أقول : [ من الوافر ] . قليل وفاء من يهوى يجل . . . وعظم وفاء من يهوى يقل فنادرة الجبان أجل مما . . . يجيء به الشجاع المستقل ومن قبيح الغدر أن يكون للمحب سفير إلى محبوبه يستريح إليه بأسراره فيسعى حتى يقلبه إلى نفسه ويستأثر به دونه ؛ وفيه أقول : [ من الطويل ] . أقمت سفيراً قاصداً في مطالبي . . . وثقت به جهلاً فضرب بيننا وحل عرى ودي وأثبت وده . . . وأبعد عني كل ما كان ممكنا